محمد طاهر الكردي

6

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

ثم زاد الإصلاح فيها نوعا ما منذ أن بنى خليل اللّه إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام بيت اللّه الحرام ، فلقد استوطن مكة قبيلة جرهم ، وانتشر الإسلام وتناسلوا فتكاثروا ، وعرف الناس طريق مكة من الشام واليمن ، وصار سكانها أكثر من قبل ، وكلما كثر السكان والمقيمون بها كثرت بيوتهم ومنازلهم ، وصاروا يمهدون الطرقات ويصلحونها ، ويرفعون ما فيها من الأذى من الشوك والأحجار . ثم ما زال الناس يتكاثرون بمكة من ذلك العهد إلى أول ظهور الإسلام ، وبالضرورة كلما تكاثروا فيها كلما ازدادت أيدي العمران والإصلاح . فلما ظهر الإسلام كانت مكة المشرفة أحسن من العصور السابقة بكثير ، لكن ما زالت أرضها فيها المرتفعات والمنخفضات ، وفيها أشجار الشوك والسلم والعضاة مما لا يؤكل منها شيء ، إذ ليست من ذوات الفواكه والخضار ، ثم ازداد سكان مكة بانتشار الإسلام في جميع البلدان والأقطار منذ صدر الإسلام إلى نحو ألف سنة ، فازدهرت مكة بمختلف السكان من المسلمين ، ازدهرت وأينعت بإقامة المسلمين فيها من جميع الأقطار ، وحضورهم فيها في مواسم الحج في كل عام من كل فج عميق ، لكنها بقيت فيها بعض الآثار القديمة من المنعرجات والمنخفضات ، وأشجار الشوك والسلم التي كانت تعترض الحجاج في طريق الحج من مكة إلى عرفات . ثم من بعد سنة ( 1300 ) ألف وثلاثمائة هجرية كثر الإصلاح والتعمير فيها باستمرار ، خصوصا في زماننا هذا ، ونحن في سنة ( 1385 ) ألف وثلاثمائة وخمس وثمانين هجرية ، فلقد باشروا في الإصلاح والتعمير وردم المنخفضات وتكسير الصخور ورفع الأحجار ، وسفلتة الشوارع والطرقات ، وقطع ما بقي من أشجار الشوك والسلم ، حتى صارت مكة شرفها اللّه تعالى كأنها عروس البلدان كما هو مشاهد في زماننا هذا بدون مبالغة في القول فسبحان مغير الأحوال ومدبر الكائنات ، لا إله إلا هو العزيز الغفار . مكة في الجاهلية والإسلام يقول صديقنا الفاضل الأستاذ أحمد السباعي مؤرخ مكة وأديبها أمد اللّه في حياته ، عن نشأة مكة في أول كتابه المطبوع " تاريخ مكة " ما يأتي :